اللعب في
الثوابت... اللعب في الدماغ
بقلم: أحمد الشمسي (الفرقة السادسة)
بداية
علي أن أقول إن هذا المقال لن يوجد حلولا، بل ربما سيكتفي بتفجير
ينابيع الأسئلة بدلا من الإجابة عليها...
كذلك
يجب علي التأكيد أن المعلومات التي ستقرؤها هنا ليست معلومات أكيدة..
بل كتبتها كما قرأتها في مقالات لصحفيين ومفكرين كبار، ولست مسئولا
عنها بأي حال.
"تحطيم
الثوابت" أصبحت جريمة لا تغتفر هذه الأيام، بل وربما ترادف كلمات مثل
"العمالة".. في قاموس الاتهامات التي توجه لأي كاتب.
والمشكلة ليست في الكاتب المتهم بتحطيم الثوابت، كما أنها – بالتأكيد –
ليست في المدافع عنها، المشكلة حتما في الجيل الضائع بين ثوابت مقدسة
وبين حرية تفكير يكفلها له عقله على الأقل.
الثوابت عندنا وضعناها ثم رفعناها إلى مرتبة لا يجوز عندها اللمس أو
الاقتراب.. ثم إذا كبر الصغير وتوسعت اطلاعاته راح يكتشف في ثوابته ما
يهزها، ومن ثم فإنه يفقد الثقة بها على إطلاقها.
والثوابت عندنا أحيانا ليست دينية فقط، فحتى على المستوى الحياتي لا
يمكنك مثلا –ككاتب- أن تهاجم أم كلثوم، ولا يمكن لشخص مثل "اللمبي" أن
يسخر منها بتقليده لأغنيتها وإلا ناله الويل والثبور! والثوابت عندنا
قد تمتد لتشمل حتى مجرد الأفكار المجردة.. "القومية".. و"الوطنية"..
والعبارات الخيالية مثل :لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصريا".
والسؤال: هل فعلا يجب أن يكون لكل أمة ثوابتها؟! وإذا كان كذلك، هل يجب
أن تكون مصانة حتى عن النقد الذي يوضح جوانب القصور فيها؟! وهل كل ذلك
يمنع أن تكون لكل منا آراؤه الشخصية في هذه الثوابت؟
في
اعتقادي أن رفع هذه الثوابت لمرحلة التقديس يضر بها ولا يفيد.. ما
قرأته في السنوات الماضية –مذ أدمنت قراءة الأفكار المختلفة- جعلني
أعتقد أنهم ارتكبوا خطأ كبيرا في حقنا حين علمونا أن نقدس هذه الثوابت.
خذ
أمثلة:
ماذا
ستقول إذا أخبرك أحدهم أن أبا هريرة (الصحابي الجليل الذي نعلم جميعا
أنه أكثر من روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه أكثرهم حفظا وأنه..
وأنه..) كان في زمن السيدة عائشة رضي الله عنها يروي حديثا فكذّبته!!
نعم كذبته وعندما واجهوه بها قال: "لقد التبس الأمر عليّ"!!
ماذا
ستقول حين تكتشف أن ابن عمر بن الخطاب (رضي الله عنهما) قتل بعد مقتل
أبيه ثلاثة نفر ليس لهم ذنب واضح.. بينهم صبي صغير ولم يوقفه عن قتل
المزيد إلا أن الصحابة أوقفوه وقالوا "ويحك! لقد قتلت ثلاثة بينهم
صبي".. بل وما حجم الصدمة التي ستصيبك حين تعلم أن الصحابة طالبوا
عثمان بن عفان (رضي الله عنه) بتوقيع القصاص عليه فتحرج ثم أنقذه دهاء
عمرو بن العاص (رضي الله عنه) حين قال" يا أمير المؤمنين، إنه لم يقتل
في زمن أبيه وكذلك لم يقتل في زمنك.. فأنت معافى من إقامة الحد عليه"
(!!!!)
هناك
حادثة اختلف المؤرخون فيها.. (بينهم المؤرخ الكبير محمد حسنين هيكل)
تقول إن خالد بن الوليد (رضي الله عنه) قتل مسلما في حروب الردة
ليتزوج امرأته! (الثابت في هذا أنه تزوج امرأة أحد قتلاه فعلا.. ولكن
معظم المؤرخين وبينهم هيكل يبرئون ساحة خالد وأنا أميل لهذا) واستدلوا
على هذا بأن الرجل كان يموت وهو يشير إلى زوجته ويقول: "ما قتلتني إلا
هذه".
ماذا
ستقول حين تعلم أن أحمد عرابي.. الزعيم العظيم صاحب "والله سوف لن
نورّث بعد اليوم".. حين عاد من النفي اشتغل بالصحافة ونافس (سمير رجب)
في كتابة مقالات تشيد بالملك وتعتذر عن "حمقه" الذي مارسه فنفي جزاء
عليه!
انتهت
الأمثلة ولم تنته الأسئلة..
لماذا
لم يخبرونا منذ البداية بأن هؤلاء بشر يصيبون ويخطئون؟!
لماذا
لم يخبرونا بأن هؤلاء كلهم (حتى زعيم الأمة) كان له معارضين؟!
ثم
لماذا يصادرون حقنا في الاختلاف معهم حين يجبروننا على إظهار كامل
التقديس للثوابت، دون أن يخبرونا أن لنا –فقط- الخدمات الجلية العظيمة
التي قدموها والباقي حسابهم فيه على الله؟ بل ولماذا يصادر الجميع حقك
في الاختلاف حين تعلن عن عدم رضاك التام عن "الثوابت"؟!
ترى،
هل تملك أمريكا مثلا ثوابت كهذه؟! هل يمنعون أطفالهم هناك من إثارة
الأسئلة حول عظمائهم؟!
سؤال
أخير... هل يضير "الثوابت" أو ينتقص من قدرها أن نقول إنهم خلطوا عملا
صالحا وآخر سيئا؟! أم نترك الأجيال لتكبر وتكتشف أن من كانوا في أبراج
عالية ليسوا سوى بشر مثلنا؟!!
ما
أعرفه حقيقة أن مالكا قال وهو يشير إلى قبر النبي صلى الله عليه
وسلم: "كل امرئ يؤخذ منه ويُرد.. إلا صاحب هذا المقام".