نظرية
المسكنات
بقلم: أحمد المنشاوي (الفرقة السادسة)
رجل بسيط
في قريته.. يشعر بألم في ضرسه.. يتوجه إلى وحدته الصحية حيث طبيب أسنان
فاشل لم يكمل دراسته.. ينظر ولا يسمع ولا يفحص.. يعطيه مسكنا ويخبره أن
كل شيء تمام.. "ألم بسيط وهيروح لحاله".. يأخذ الرجل المسكن.. يوم..
يومين.. ويختفي الألم.. والرجل مبسوط ولك المسكن انتهى مفعوله ويظهر
الألم من جديد ولكن أشد وأفظع ويذهب إلى طبيبنا ليكتشف بسلامته هذا
الخراج الذي بدأ يكبر ولم يعد هناك حل سوى خلع الضرس.
سيناريو موجود.. ربما قليل في عيادات الأسنان، ولكنه يبدو الآن
السيناريو السائد في دور السينما والعرض، حيث يقود الأعمال السينمائية
من احترفوا الفشل وأدمنت أيديهم وعقولهم وصف المسكنات للتفرج المسكين.
شاب بسيط.. مخنوق.. مافيش شغل.. مافيش قلوس.. مافيش حب ولا جواز.. نفسه
في موبايل.. بس مش معاه "ثمن الخط".. وكمبيوتر لأخيه الصغير.. ينصرف من
المقهى نهارا ليهرب إليها ليلا.. أصحاب، ودش.. يسمع ويشوف كلاما خلاف
الكلام.. من الصادق ومن الكاذب؟ مخنوق يا ناس مخنوووووووق.
يدخل السينما.. أجمل ما فيها الظلام.. هنا تنسى نفسك.. مشاكلك.. تنسى
أهلك.. ويبدأ العرض: جميلة هي الحياة.. فلوس.. فيلات.. وشاليهات، قرى
سياحية.. سيارات.. وحب! الله!.. البطل والبطلة.. رومانسية.. بنات
جميلة.. وجواز.. أغنية.. مشكلة عيالي.. رقصة.. إغراء..
تركيبة جميلة، ولكنها فعالة، ينتهي العرض وهو في دنيا أخرى لا يشعر بمن
حوله، جميلة هي الحياة.. وفجأة يفرك عينيه في قوة، وينتبه، لقد حرج من
باب السينما ليجد الدنيا كما هي بل أبشع! الحياة حرب وهو أضعف من أن
يقاتل فيها..ثم يخرج إلى ضياع و"خنقة" أكبر وأثقل.
هكذا أصبحت أفلامنا أيها السادة، تتبع نفس السياسة: سياسة التسكين
والتنويم. حصرت كل مشاكلنا وهمومنا في الحب. لخصت هم الشاب في البحث عن
فتاة.. أي فتاة.. المهم تكون "مزّة".
صار الشاب المصري صورة واحدة، هو الواد القهلوي، الجن.. اللي يلعب
بالبيضة والحجر، ويغير شكله كل شوية علشان يلفت نظر "المزز" اللي
حواليه.. يبدأ من الصفر وبالفهلوة يصير مليونيرا ويحقق كل ما يحلم به..
دهب.. ياقوت.. مرجان.. أحمدك يا رب!.. والنهاية.
ولا عجب في ذلك وقد تحول كل شيء في حياتنا إلى سلعة لها سعرها ويحكمها
قانونا المكسب والخسارة والعرض والطلب. منتجو أفلامنا أنفسهم اغتنموا
الفرصة وصعدوا بالفهلوة، ومليون يأتي بخمسة خير من 2 مليون يأتيان
بسبعة بغض النظر عن تأثير هذا الفيلم على المجتمع والشباب، وبغض النظر
عن أن السينما مثلها مثل التلفاز والصحافة وسيلة من وسائل الإعلام
والتثقيف. إعلام الناس بواقعهم والمساهمة في إيجاد الحل.
حقا، لا أومن بسياسة المسكنات أو بنظرية "أنا مخنوق.. قل لي نكتة!"،
بعض المضادات الحيوية قد تكفي وتشفي، المواجهة بكل شجاعة هي الحل، حتى
لو في إطار كوميدي أو أكشن أو رعب أو أي إطار آخر محترم. أما أن نصنع
خلطة من غناء ومزة وفهلوة ورقص فهذا له اسم واحد.."الهروب".."الهروب
الكبير".!!